المدينة يجب أن تخرج عن صمتها

 بقلم : عبادة عبد الصادق

كل المدن الحديثة و العتيقة لها فعلها و حيويتها، و لها
نهضتها ، وقد صنعت لنفسها مكانة تجعلها قبلة لكل باحث عن الراحة و الاستجمام أو
الاستثمار و تنفيذ مشروع ، إلا أن مدينة آسفي الموغلة في القدم، كانت لها نهضة من
نوع خاص، حيث الانسان هنا كان مهيئا نفسيا و اجتماعيا لخوض غمار التجربة، و
معانقتها سياسيا و ثقافيا و نقابيا و اقتصاديا ، وعلى كافة الأصعدة و كل شيء في
هذه المدينة يوحي بأن جذورها انتعشت في الماضي و أعطت ثمارا أفادت الوسط و المحيط
و كل الجيران…كان ميناء الصيد البحري مزدهر الحركة، و يشكل العمود الفقري للصيد
الساحلي على المستوى الوطني حتى رتبت المدينة بفضله في أعلى المراتب وطنيا، ومع
الميناء  نشطت صناعة التصبير التي كانت
معاملها لا تتوقف، و تعيش بفضلها عائلات
 و عائلات تشكل نسبة مهمة إلى جانب البحارة من ساكنة
المدينة، و خصوصا العنصر النسائي ، وهو جانب ساهم بشكل كبير في ازدهار الموارد
المالية، و خلق حركة اقتصادية مهمة خصوصا عي مستوى التسويق الخارجي ، في الجانب الأخر
من المدينة كانت صناعة الخزف المعروفة و المشهورة وطنيا و عالميا تستقطب العديد من
المعجبين و المهتمين، ازدهرت معها
 السياحة الداخلية و الخارجية، و نقلت مهارات
صناعها إلى بعض الدول العربية منها تونس الخضراء 
على وجه الخصوص.

لقد كان للمدينة أبناء مخلصون على المستوى الثقافي
بعصامية و مجهود ذاتي ، مالي و معنوي ساهموا بشكل كبير في ازدهار الحركة الثقافية
أدبيا و فنيا و مسرحيا و على مستوى البحث، فقد عمل الكل في نكران للذات على جعل
المدينة ذات إشعاع يشرق كلما ذكر اسمها، لأنها المدينة التي قال عنها بن خلدون في
الزمن الغابر أنها " حاضرة المحيط". و بالفعل كانت من حيث موقعها
الساحلي على المحيط الأطلسي، و معانقتها حدوديا لمناطق عبدة و احمر و دكالة و
الشياظمة و الحوز… جدران منازلها كانت بيضاء ناصعة، و هو ما يجعلها مع زرقة
البحر و انعكاساته مدينة ضوئية و مائية بامتياز، أناسها الحقيقيون بسطاء متواضعون
يرحبون بالزائر و الضيف وبكل القادمين إليهم، يفتحون لهم أبوابهم و قلوبهم
 . و هذا ما جعل الذين أتوا للمدينة اغتنوا
بسرعة فائقة، و في غفلة من سكانها الأصليين، و حولوا المدينة إلى أخلاط بشرية
ساكنة فقط، و لا علاقة لها بالمدينة و حبها و نهضتها، لذلك ليس غريبا أن تعيش
المدينة بين أيدي العابثين.

اليوم كل شيء تغير… تغيرت المدن و تغيرت معالمها نحو
الافضل، لكنه في مدينة آسفي بدل أن يضيف إلى نهضتها التي كانت نهضة أخرى تساير
التطور الحاصل وطنيا و دوليا، و يساهم في تطور حركتها و زيادة فعلهاـ كان تغييرا
نحو الاسوء. أتى على الأخضر و اليابس و لم يبق من المعالم و المعامل و الأندية
الثقافية إلى أطلال و المساحات الفارغة التي تسيل لعاب لوبي العقار، و تفتح شهية
ضمها إلى مشاريعها التي نبتت كالفطر في كل مكان …الشوارع "مدربلة"
تعلوها الأتربة، و تفعل فيها الحفر فعلها..و جماليتها ضاعت بضياع لونها
الحقيقي..الميناء لم يعد ينتج كما كان في السابق، و معامل التصبير أصبحت خربا تعشش
بها البومة و الغربان و النوارس هجرت العديد من أسرابها فضاء المدينة… ضاعت
الحدائق و المنتزهات ، و ضاعت معها فضاءات الترفيه و التثقيف، و هدمت دار الشباب
علال بن عبد الله و النادي البحري دون تعويض، و ضاعت صناعة الخزف و لم تعد لها
القيمة التي كانت ، فقط وحدها حركة اللوبي العقاري دؤوبة، تضع يدها على كل
المجالات الخضراء و الأماكن الفارغة و المقابر لتتحول المدينة بين عشية و ضحاها
إلى ورش عقاري كبير تسيره مجموعة معدودة على رؤوس الأصابع كانت ومازالت من ضمن أل
المجالس الحضرية التي مرت من هنا فتعاقبت على المدينة و لم تحسن إلا تشويهها و
المساهمة في اندثار حضارتها و مسح الذاكرة، فبرز بالمدينة ضمن هذه الثقافة النفعية
و السياسة الانتهازية أشخاص نسبوا أنفسهم إليها،وهم في الواقع لا هم لهم إلا
مصلحتهم الآنية و الضيقة، حتى أصبحنا نجد من يتصور منهم على أن العمل الجماعي مهنة
ضرورية للخلود حتى الموت، أو أن المجالس الحضرية ملك لهم يتوارثونها ما دام تواجدهم
بها يحقق لهم الامتيازات و يوفر لهم أرصدة ، و يجعلهم من علية القوم، يوظفون أهلهم
و عشيرتهم، في كل المناصب أما المدينة و ساكنتها فلتذهب مشاريع تنميتها إلى
الجحيم.فتعاقبت المجالس و تعاقبوا معها، و استمرت إساءتهم للمدينة، و هو ما أدى
إلى بروز عقلية ضيقة كل همها و تفكيرها الحصول على الكراسي من أجل الانتفاع الذاتي
الذي ضاعت معه المدينة في متاهات لا قرار لها، معها تضيع الآمال و المعالم التي
كانت، و تصبح المدينة لاذ ذاكرة، لذلك فمن البديهي أن تختفي  إرادات التصحيح و الإصلاح ما دام الاتجاه الذي
ساد طيلة فترة زمنية ليست بالهينة هو اتجاه تنتفي معه خدمة المدينة و ساكنتها التي
تعول الآن على التجربة الجديدة بعد الاستحقاقات الاخيرة المطيحة بمجموعة من رموز
الحقب السابقة .

كم من مهرجان أقيم على أرضية المدينة منذ تجربة ثلاث
جماعات حضرية حتى الصيف الماضي، كانت هدفية منظميه التحويلات المالية، و ما يوضع
في الجيوب فقط، و على حساب أناس المدينة الطيبين ، كان أخرها مهرجان الأمواج الذي
أزكمت رائحة طبخته الانوف، في الوقت الذي كان المهتمون يتصورون أن هذا المهرجان
سيضيف شيئا مادامت إدارته قد أسندت إلى أحد أبناء المدينة المعروفين و طنيا و
دوليا على المستوى السينمائي، لكن الذي حدث كان عكس ما هو متوقع، فقط 250 مليون
التي رصدت طارت بها الامواج العاتية، و بقيت الألسن تلوك الاحاديث حولها في
المقاهي و بعض التجمعات… و كم من متعلمين ادعوا الثقافة و هي منهم بريئة براءة
الذئب من دم يوسف . فشرعوا يكتبون عن المدينة و أعلامها و تاريخها تحت الطلب و بإسهاب
كبير ، وهم في الواقع يكررون ما يكتبون على مستوى الشكل و المضمون داخليا و خارجيا
ليوضع في جيوبهم و يغرقون الساحة و المشهد الثقافي بمؤلفات موسومة بالتعبير الركيك
و سذاجة البحث و طفولة الكتابة، فحتى فرع اتحاد كتاب المغرب الذي تأسس هنا بهذه
المدينة و كان عليه أن يشرف على عملية النشر يتبنى مجموعة من الأقلام الجادة التي
تسبح وحدها دون سند او معين غاب  عن الأنظار،
و لم تتجاوز أنشطته عدد أصابع اليد، إذا استثنينا ندوة المرأة و الكتابة التي كانت
تقام هنا بداية كل صيف و اختفت هذه السنة، ما دون ذلك فلا شيء يذكر ، فكم راهن
المهتمون بالشأن الثقافي محليا ودافعوا كي تكون هذه المؤسسة من اجل المساهمة
الفعلية في ازدهار المشهد الثقافي، لكن رهانهم ذهب أدراج الريح فقط الصراعات بين الأعضاء
و الاتهامات و الكلام الذي لا يمكن أن نصدق أنه يصدر من أدعياء الثقافة في هذا
البلد. فضاعت المدينة ثقافيا و هم في سلبيتهم 
سائرون … الكلية متعددة الاختصاصات كم راهن عليها الكثيرون كي تلعب دورها
في المحيط و تساهم هي الأخرى في نهضة ثقافية متجددة، إلا أنه بقيت بعيدة عن الكل
في موقعها تطل على البحر و تجتر ذيول تقاعسها و نومها القاتل دون أن تضيف شيئا،
ولو على مستوى البحث العلمي ، مادامت الجامعة أداة أكاديمية يمكن أن تلعب دورها
الحقيقي إن وعى القائمون عليها بذلك و انفتحوا على المحيط و تحركوا في اتجاه أن
تكون الجامعة الفضاء الأرحب للتلاقي و التحاور و التواصل و البحث في اتجاه الأفضل.

هنا بهذه المدينة تاريخ حقيقي يجب أن ننقب فيه و ننكب
عليه بمسؤولية . و أن ننفض عنه الغبار و الإهمال و النسيان، وحتى يتم الاطلاع
عليه، و إنصاف المدينة من خلال إعادة الاعتبار إليها فعليا، و ليس على مستوى تزيين
الواجهات و صباغة الأبواب بل بالتوغل  في
العمق لمعرفة مكامن الداء و أسباب الخلل و إيجاد العلاج الحقيقي الذي يقود إلى
نهضة ناجعة فاعلة و مضيفة إيجابيا على الطريقة التي تتم بها عمليات نهضة المدن
العتيقة إن ما يحتاج إليه من يرغب في خدمة المدينة فعليا هو الوقوف في وجه
العابثين الذين  ما يهمهم هو ذاتهم و انتفاعهم
الآني، و كذا فضح كل الطفيليين التي خلقت الفوضى و انتعشت بها وفيها، فالمدينة الآن
يجب أن تخرج عن صمتها المطبق عليها منذ سنين ، و ما على أبنائها الحقيقيين الطيبين
إلا العودة إلى الساحة و الوقوف إلى جانبها في محنتها، و كفاهم هروبا، فبفضلهم
عاشت زمن الضوء و لا يجب في غيابهم أن تعيش في ردهات مظلمة، تحت رحمة عقليات لا
تريد لها أن تكون كما كانت "حاضرة للمحيط ومهد الحضارات
التي تعاقبت عليها
منذ فجر التاريخ .

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :