العقل.. والخبز

عزا المفكر الكبير دعابد الجابري في احدى كتاباته ما وصلنا إليه من تراجع وربما «تخلف» إلي فساد العقل.. أو غياب العقل وتغييبه. بل ذهب د عابد الجابري  إلي القول بأننا اعتدنا التخلف حتي أصبحنا نستمتع به ونشتهيه.

وقد يسألني سائل ويقول: واش دابا وقتو! أشمن عقل انا فكر ؟ انت مكتشوفش المصايب للي احنا فيها؟ ملقناش الخبز والدنيا غلات حرام عليكم… مبقيتاش عارفين نعيش!

وبصراحة هذا المواطن معه الحق.. لكن لو يعرف أن غياب العقل هو السبب والحل لكل ما نحن فيه.. لكان رده شيئاً آخر

أعود إلي د عابد الجابري  الذي يري أن العقل يصاب بالفساد عندما يتوهم أنه امتلك الحقيقة الكاملة والمطلقة.. وسأقف عند هذا التحليل ولن أتابعه إلي ما يراه الجابري من ضرورة العلمانية فهذا شأن آخر… لكن الحقيقة أن غياب العقل هو السبب الرئيسي وراء كل أزماتنا الحالية والماضية والقادمة.. كيف!!

ولنأخذ قضايا الساعة: الأسعار والخبز

فلا ارتفاع أسعار السلع كل حين يكون مفاجأة ولا ارتفاع أسعار القمح في العالم جاء بين ليلة وضحاها،.. إلا أن أحدا لا يصغي ولا يسمع.. فنحن ننتظر الكارثة أن تقع ثم نبدأ في التفكير كيف نعالجها… وهكذا نكون دائما في دائرة رد الفعل وليس الفعل الاستباقي لتحاشي نتائج الأحداث.. ذلك لغياب العقل..

ثم إننا خبراء في امتلاك الحقيقة، فكل حكومة تأتي بسياستها الجديدة وتقول أنا أمتلك الحل الجذري وأنا أمتلك القدرة علي تحقيق الإصلاح الاقتصادي المتكامل.. ولكن لا تحاسبوني علي الماضي.. فكل ما مضي كان خرافة وخطأ وهيا نبدأ من جديد، انتظروا معنا بعض الشهور ثم 6 سنوات ثم… تتغير الحكومة.. وهكذا نحن أساتذة في إعادة اختراع العجلة من جديد.. رغم أنها جميعا حكومات نفس الاحزاب،

ورغم أن قيادات الاحزاب لم تتغير، والحكومة لا تنفذ سوي سياسات االحزاب المكونة لها.. إلا أننا نفضل كل مرة أن نخترع أشياء جديدة وسياسات لها «خصوصية»، ثم نقول هذا هو الطريق الصحيح.

ثم إن حزبالاستقلالالد يسير الحكومة الحالية  نفسه يظن أنه يمتلك الحقيقة الكاملة. يدعي الاستماع إلي الآخرين فيقول لهم اتكلموا نريد «حوارا مجتمعيا»، والحقيقة أن الحزب لا يسمع إلا نفسه ولا ينفذ إلا سياساته..

وفي قضايا أخري كثيرة تجد غياب العقل ظاهرة تدعو للرثاء وللفزع معا.. فمثلا ما أطلق عليه بالمشروعات الكبرى  التي أنفقنا عليها المليارات ومازالنا نبحث في جدواها  ! أو التخطيط العمراني للمناطق الساحلية.

العالم يحذر ونحن مستمرون في مشروعاتنا....

قضايا كثيرة تفتقر للدراسة والعقل والتدبير.. لكنها قضايا تخص حياتنا ومستقبلنا.

ليس الخبز فقط هو مصيبتنا.. لكن المصيبة الحقيقية هي غياب الرؤية والدراسة للواقع والمستقبل.. ليست المشكلة التعليمية هي كارثتنا لكن الكارثة هي افتقاد التخطيط للاستفادة منه بشكل ينفع المجتمع.. كل المشاكل يمكن أن تحل بالعقل.. لكننا قررنا أن يغيب العقل أو أن نغيبه..

إصلاح العقل هو بداية «الطريق» – أتفق بقوة مع د عابد الجابري.. لكن إصلاح العقل لن يتم إلا إذا أيقنا أولا أننا في حالة فساد للعقل.. وأظن أننا لسنا حتي علي يقين من ذلك.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :