ملاحظــــــات بخصوص تدبير الشأن الثقافي مدينــــــة أسفي نموذجا

 

بقلم
: عبد الصادق عبادة             

          إذا
كان العديد من المتهمين، الدارسين،والفاعلين داخل الحقل الثقافي ينطلقون في
تحديدهم لمفهوم العمل الثقافي، وإنتاجيتهالفكرية والإبداعية والمعرفية من
اعتباره الدعامة الأساس الواجب اعتمادها فيالمرحلة كمنطلق وأرضية في عمليات
البناء والتنمية، مادام أصلا يمثل الوجه الحقيقيالذي يتجلى عبره ملامح
الهوية، كما تتجلى من خلاله معالم الحضارة، وطبيعة التاريخوالفكر وماداموا
من هذا المنطلق مقتنعين أن المجتمع المدني الذي كثر الحديث عنه،وحول أدواره
في الحاضر الراهن…… لا يمكن تأسيسه إلا انطلاق من الأسس
والمنطلقاتالمكونة لطبيعة الشأن الثقافي كمسؤولية على اعتبار أن المجتمع
المدني مقدمةاستراتيجية لأي تحول أو تطور فإن أي مشروع ثقافي مجتمعي ينشد
الحداثة ويراهن علىالتغير التنمية لا يمكنه أن يكتسب قيمته في انعزال عن
العمل الجماعي (سواء كانالعمل الجماعي هنا مجالا ترابيا أو مجموعة بشرية أو
تنظيما جمعويا أو اطارامؤسساتيا) وفي اعتماد تام على تصورات منطلقاتها
واضحة تدفع بالضرورة والكاد إلىمراجعة المواقف أثناء عمليات إنتاج التحول
البناء والتنمية وفي استحضار كاملللعنصر البشري…..وبناء على فتح المجال
لكل العطاءات والمساهمات والإبداعات كيتشارك وتفعل وتنفعل وتؤثر بشكل
ايجابي نحو الأفضل .

إن هذا الفهم يدفنا
بالضرورة،وارتباطا بالشأن الثقافي العام، إلى البحث في سمات المشهد الثقافي
عندنا وكيفيةتشكله، وهو فهم جاء وليد رغبتنا في المساهمة الفاعلة والهادفة
موضوعيا لى خلخلةالراهن الثقافي كي يساهم بالفعل في الإجابة على بعض
الأسئلة المقلقة من خلال خلقالتصورات المستقبلية للأدوار التي من الواجب أن
تلعبها الجماعات( ترابية كانت أوبشرية أو تنظيمية، أو إطار مؤسساتيا) داخل
مجالها أو خارجه وذلك في إطار استحضارهاكل الطاقات والفعاليات التي تشكل
نبض هذا المجتمع وروحه وأدواته نحو البناءوالتنمية وهو فهم نابع من رغبتنا
في تطور أي فعل هادف إلى البحث الناجع عن البدائلالممكنة التي تضع الشأن
الثقافي وفعالياته ضمن الأوليات الضرورية التي تربطالتنمية بالتفكير
المستمر في العنصر البشري، كهدف ومحو وأساس كل عمليات التحول.

راهن
المشهد الثقافي وطبيعته:

إن أهم سمة يمكن أن نسم
بها طبيعة المشهدالثقافي عندنا تظهر من خلال عمليات النكوص والتردي اللذين
عاشتهما مدينة أسفي ردحاطويلا من الزمن وهو راهن أصبح يثير أكثر من سؤال
نتيجة مجموع التعاملات التي لعبتدورها في لحظة زمنية في تشكل هذا الراهن من
خلال تهميش الشأن الثقافي أو إزاحته عنمكانته الأساسية أو حصره في حمى
المهرجانات الصيفية، الشبيهة بحمى الأعراس التي تصرفبها ميزانيات كبرى لو
وظفت في تشييد مركبات ثقافية وفضاءات للعرض لأتت أكلها،وحققت للمدينة طفرة
نوعية تبقى شاهدة على نتائجها الفعلية.

فغياب
البنيات التحتية من دور الشباب،ومركبات ثقافية وفنية، وقاعات كبرى صالحة
للعرض الثقافي في مستوى وحجم ساكنة المدينةوعطاءاتها الفاعلة في الاقتصاد
المحلي والجهوي والوطني، لمن شأنها أن تشكل أول إزاحةوتهميش وبالتالي أول
عقبة في طريق الإنتاج، مادامت البنيات التحتية تعد شرطا أساسياوضروريا
لإنتعاش أية ممارسة يرادلها الارتقاء إلى مدارج العمل المسؤول الذي
يلعبدوره ايجابيا في تدبير الشأن الثقافي من خلال المساهمة الفاعلة في
عمليات البناء والتنمية.

فبعد افتقاد المدينة لدار
الشباب علال بن عبدالله، التي هدمت  دون تعويض، عاشت على إثرهالمدينة لحظة
فراغ مهول أشبه  بالصقيع أثربشكل ملموس على مسار الممارسة
والعمل الثقافيين… دار الشباب علال بن عبد الله التي كانت تحتل موقعا
استراتيجياسواء من حيث موقعها، أو من حيث تعدد قاعاتها وفضاءات العرض
الثقافي بها. هذا الهدمامتد كذلك إلى بناية النادي البحري التي كانت في
مستوى المركبات الثقافية الكبرى وتحتل هي الأخرى موقعا مهما إلى جانب 
تواجد مجموعة من الفضاءات ضمنها، والتي لعبتدورا كبيرا في استقطاب العديد
من الفعاليات الثقافية والفنية وكانت تعلب دور الشقيقالمكمل لإشعاع دار
الشباب علال بن عبد الله زمن الإشعاع والحركية الثقافيين، إذلازال العديد
من الذين عاشوا التجربة يتذكرون العروض المسرحية التي قدمت على أرضيةخشبة
قاعتها المسرحية من طرف الجمعيات المسرحية ، والأفلام السينمائية في
إطارأنشطة نادي البحث الثقافي والسينمائي،… هدمت دار الشباب علال بن عبد
اللهلتصبح  بقعتها جزء من "كورنيش" مهملتعلوه الأتربة ويسكنه الاهمال،
ويمارس  علىأرضيته كل فعل أدواته الغمز واللمز و"التبركيك" وهم جرا…. كما
يتحولفي أحيان كثيرة إلى ملجئ للسكارى والمهمشين والراغبين في الانتحار.

هدمت
فضاءات وبناية النادي البحري، لتنضافالبقعة بعد الهدم إلى ميناء أسفي في
إطار التوسع،.وما بين الكورنيش والميناء ألفحكاية وحكاية..وكأن فعل الهدم
هنا كان بهدف الإلغاء والإقصاء للثقافي وأدواره،مادام تعويض ما هدم لم يعرف
بعد الطريق إلى النور وعلى مدار سنوات كثيرة وتعاقبمجالس ومجالس،
ومجالس…….. وتضل المدينة ساكنة، صامتة صمت القبور التي لم تحترم هي
الأخرى. مدينة ملفوفة بأزمنة الشحوب،تطاردها الأشباح ويعشعش بين مفاصلها 
بؤسالصقيع وفراغ أدمغة المجالس الحضرية التي جاءت هنا  لتدفع بحلم الطفولة
والشباب وساكنة المدينة فياستنشاق  هواء ثقافي نقي إلى الجحيم، سواءأثناء
وحدة المدينة  وبعد التقسيم، أوبعدهما لتتحول المدينة إلى حفر وأطلال
وبنايات معمارية تاريخية متآكلة وآيلةللسقوط.

دارالشباب
علال بن عبد الله التي انتزعت اسمها من أول  شرارة للكفاح والمقاومة ضد
المستعمر الغاشم، وبنايةالنادي البحري التي حملت رمز شغيلة المدينة
وبحارتها الكادحين… البنايتانالمهدمتان اعتبرهما العديد من المتهمين
والممارسين لحظة تواجدهما من أهم وأكبر البناياتالثقافية بالمغرب في
سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث لعبت الأولى دورهاالفاعل في تاريخ
وتطور الشأن الثقافي والجمعوي وأدت الثانية دورها المكمل لمسيرةوحركية
الأولى، وفي تناغم وانسجام تامين خلقا بالمدينة حرارة إشعاعية ثقافية
وفيمراحل لها دلالتها ووزنها وقيمتها على مستوى المد التقدمي بالمغرب، حيث
شكلت عملية الهدم التعسفي دون  التعويض خسارة كبرى في حق المدينة
وإنسانهاالمعطاء، وفي حق تاريخ وتراث المدينة الثقافيين، رغم أن هناك بعض
الجماعات المحليةالتي ولدت بعد التقسيم الإداري لسنة 1992 (جماعة أسفي
الزاوية) عملت على إنجازمشروع المركب  الثقافي بترابها ومنذ ذلكالحين لم
نسمع عنه شيئا، حيث بقي  بنايةغير مكتملة بعيدة عن قلب المدينة النابض
ووسطها وسيظل بناية جمالية على مستوىمظهرها الخارجي  فقط، الذين خططوا لها
فيالأصل بعيدون كل البعد عن الفهم  الحقيقيللشأن الثقافي وكيفية تدبيره،
وربما سيقع معها ما يقع الآن لقاعة الأفراح والتيتعيش التهديم وإعادة
البناء من جديد هذه الأيام ولا ندري متى سيتم الإنتهاء هنابهذه المدينة من
عمليات الهدم والبناء ولا ندري طبيعة   المنجز.

قاعة
الأفراح هاته لم توظف في الكثير منالكثير من المناسبات والأوقات، -عند
البناء الأولي- إلا من أجل إقامة الأعراسوحفلات الزفاف وسهرات "عود كردك
…..زيد دردك دردك" أذكر هنا أنه عندما نظم الإتحاد الإقليمي لمسرح الهواة
بأسفي (الذي غاب هو الأخر عن الوجود وأصبحفي عداد المفقودين) الملتقى
الوطني الأول للمسرح بمشاركة مجموعة من الفعلياتوالأطر والجمعيات المسرحية
الوطنية خلال شهر يوليوز 1996، وأثناء توالي  أيام المتلقى الوطني الذي
عرف  إقبالا جماهيريا منقطع  النظير فوجئ المنظمون بل حتى الجمهور بقرار
منالمجموعة الحضرية يخبرهم بإيقاف نشاطهم المسرحي والإنسحاب من القاعة
لمدةأربعة  وعشرين ساعة، لأن هناك رخصة خاصة بإقامةحفل زفاف بالقاعة خلال
هذه المدة، فما كان على منظمي الملتقى المسرحي وكلالمشاركين إلا أن يحزموا
أمتعتهم وأدوات إبداعهم مغادرين القاعة في انتظار عودتهممن جديد بعد انتهاء
حفل الزفاف الذي أحدث الترخيص له خللا كبيرا على مستوىالبرنامج…

هذا
شأن قاعة الأفراح حينها، وهذه طبيعةالمشرفين عليها ونضرتهم وتصوراتهم
لطبيعة الشأن الثقافي وكيفية تدبيره، انه مجردمثال فقط ينفض الغبار عن
المسكوت ويعري هشاشة الالتزامات تجاه الشأن الثقافي وإخضاعهالظروف محددة
وطقوس فارغة المحتوى.

إن انتعاش العمل
الثقافيممارسته اليوم تبقى بين أحضان بنايات في حجم علبة الثقاب قيل أنها
دور للشبابوتحتاج من مسؤولي هذا القطاع الحيوي وكل شركاتهم إلى التفكير
العملي والعلمي منخلال إعادة إصلاحها وهيكلتها وتجهيزها وفق ما تتطلبه
المرحلة وتحديات القرنالجديد، وتعويض ما فقد منها، وفي استحضار تام وكامل
للعنصر البشري كأساس ومنطلقومحور في نفس الآن، ومكون فعلي في  أيةتنمية
منشودة إلى جانبه إعادة النظر في الأطر الإدارية والتربوية داخل هذه
الدور،والتي أصبحت تظن أن دار الشباب ملك لها، تقبل من تشاء وترفض من تشاء،
وتذكي نار الفتنةوالشقاق بين الجمعيات، وتخلق الأندية الصورية لتستحوذ على
مجالس الدور وتسيرها علىهواها ومزاجها، وتعيث وسط الجمعيات فسادا … هذا
دون أن نتحدث عن وزارة الشؤونالثقافية بالإقليم وغياب مندوبيتها التام إلا
على مستوى البنايات التاريخية التيضاع أغلبها والباقي يسير نحو الإنقراض
بفعل الإهمال وغياب أي نظرة مسؤولة وانطلاقةهادفة للحفاظ على ما تزخر  به
هذه المدينةالعريقة من تراث حضاري مثالنا في ذلك ما وقع لقصر البحر أخيرا
حيث هدم منه جزءمهم، علما  أن مندوبية الثقافة هي الأخرىمحتاجة أولا وقبل
كل شيء إلى مقر لها لتدبير شؤونها قبل شؤون الثقافة  .

إن
هذه المندوبية عوض أن تقومبدعم العمل الثقافي، وتفعيل حركيته، محتاجة من
الجمعيات والمتقفين وبعض الفعاليات إلىأن يدعموها ويفعلوا تواجدها بالمدينة
كي تجد مقرا لها يليق بحجم ومستوى الشؤونالثقافية.

إن
مدينة أسفي حاليا كان من الممكن أنتعيش قفزات نوعية وتحقيق إشعاعا متطورا
بفضل تواجد فرع اتحاد كتاب المغرب والعديدمن الروائيين والقاصين والشعراء،
وتواجد الكلية متعددة الاختصاص إلا أن شيئا منذلك لم يحدث حيث تواجد فرع
الإتحاد لحظة زمنية قصيرة وبدأ أنشطته فظهرت في الأفقصراعات وتصادمات ثم
غاب عن الوجود رغم أن تواجده الكبير كان في موسم الصيف من خلالندوة الكتابة
والكتابة التي غابت هي الأخرى وربما انتقلت إلى  مكان آخر، أما الجامعة
فحدث ولا حرج وكأنها غيرمعينة بالشأن الثقافي نشير هنا كذلك إلى مسألة مهمة
من حيث أدوارها وتتعلق بالإعلامالثقافي المحلي فبقدرما عرفت المدينة في
الآونة الأخيرة في ظل التحولات الكبرىالتي يعرفها  الإعلام بالمغرب تراكما
هائلامن الجرائد المحلية والجهوية المستقلة و المواقع الالكترونية بقدر ما
كان غياب تاملجرائد والمجلات المختصصة ثقافيا لأن السائد ما أصبح يقدمه هذا
التراكم العددي منالجرائد و على مستوى فراغ المضامين والأخبار الجوفات
التي تجعله مصنفا ضمن ضعف جرائدعلى الرصيف مادام هذا الكم لم يستطيع أن
يتجاوز أسلوب النبش في العورات والكتاباتتحث الطلب التي لا تضيف شيئا سوى
الإساءة إلى المدينة وهو تواجد في الغالب  لم يساعد على وجود إعلام ثقافي
متخصص من مجلاتوجرائد اللهم اذا استثنينا مجلة "أسفو" التي    توقفت في
عددها الرابع،وجريدة أبواب أسفي  التي لم تتجاوز العددالأول ومجلة  أسيف
محاولات لم تستطع أن تصمدأمام متطلبات التخصص وغياب  الدعم وكلمستلزمات
الكتابة والمتابعة والطباعة والنشر والتوزيع وغياب الإستشهار

موقف
على هامش المشهد:

ان العمل الثقافي كي يقوم
بدورهيجدد أدوات وإنساقه الإبداعية محتاج في هذه المدينة إلى فضاءات
للأشغال ومحتاج إلىالدعم المادي والمعنوي الذي يجب أن تقدمه الجماعات
المحلية ومحتاج إلى فاعلين من قبيل الفاعلين الاقتصاديين كييفكروا إنجاز
مشاريع بنيات ثقافية، ومحتاج إلى مؤسسات حقيقية راعية للثقافي رعايةحضارية
منسجمة مع كل تطلعات وطموحات الممارسين كي يكون العمل الثقافي هو شأنايوميا
وفاعلا ضمن حركة  التاريخ ومساهما فيالتنمية المشودة محتاج إلى فسح المجال
أمام كل الفعاليات لكي تتحمل المسؤولية فيالإدارة والتسيير والتدبير إلى
جانب فسح المجال لروح المبادرة وفق ما يؤشر إليهمفهوم بناء الدولة
 والمجتمع الحداثيين

إن مدينة أسفي بحاجة ماسة
إلىمؤسسات مجالس — تتوفر على رؤية. مستقلية بعيدة عن مجرد الطموح مجالس
تقف  أمام واقع وراهن المشهد الثقافي وقفة نقديةوشجاعة تعتمد النقد و
الذاتي، من أجل البحث عن السباب الكامنة وراء هذا النكوصوالتردي ووضع
البدائل الممكنة لما يجب أن يكون عليه الثقافي كمشروع منسجم مع
طبيعةالمرحلة ومتطلباتها   ومعطيات التحديث باعتبار أن غياب الثقافي هوغياب
لكل تحول أو تقييم وغياب   للمدينة وتنميتها. لأه من جهة يشكل العمود
الفقري لنجاح المجتمع ونموه،لأنهمن جهة نقل للثرات والتقاليد من جيل
لأخر،ومن جهة ثالثة حق من حقوق الإنسان وشرط أساسيلبلوغ أي تنمية أو أساس
كل تحول أو تقدم.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :